ابن قتيبة الدينوري

29

الإمامة والسياسة ( بيروت )

أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا ؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم ، فأعطوكم المقادة ، وسلموا إليكم الإمارة ، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار نحن أولى برسول اللَّه حيا وميتا فأنصفونا [ ( 1 ) ] إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون . 28 فقال له عمر : إنك لست متروكا حتى تبايع ، فقال له عليّ : احلب حلبا لك شطره ، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا . ثم قال : واللَّه يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه . فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع فلا أكرهك ، فقال أبو عبيدة بن الجراح لعليّ كرّم اللَّه وجهه : يا بن عمّ إنك حديث السنّ وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ، ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك ، وأشد احتمالا واضطلاعا به ، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر ، فإنك إن تعش ويطل [ ( 2 ) ] بك بقاء ، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق ، في فضلك [ ( 3 ) ] ودينك ، وعلمك وفهمك ، وسابقتك ونسبك وصهرك . فقال عليّ كرّم اللَّه وجهه : اللَّه اللَّه يا معشر المهاجرين ، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته ، إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فو اللَّه يا معشر المهاجرين ، لنحن أحق الناس به . لأنا أهل البيت ، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللَّه ، الفقيه في دين اللَّه ، العالم بسنن رسول اللَّه ، المضطلع بأمر الرعية ، المدافع عنهم الأمور السيئة ، القاسم بينهم بالسوية ، واللَّه إنه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل اللَّه ، فتزدادوا من الحق بعدا . فقال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر ، ما اختلف عليك اثنان . قال : وخرج عليّ كرّم اللَّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللَّه ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما

--> [ ( 1 ) ] العبارة في شرح النهج : فأنصفونا إن كنتم تخافون اللَّه من أنفسكم ، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم ، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون . [ ( 2 ) ] في شرح النهج : ويطل عمرك . [ ( 3 ) ] العبارة في شرح النهج : في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك .